الشيخ الأنصاري
83
مطارح الأنظار
الثمرات أيضا مما لا يرجع إلى حاصل ولا يعود إلى طائل أما أولا فللمنع من كون الترك مقدمة والسند مما ستعرفه في محله وأما ثانيا فلأن اللابدية التي يرجع معنى المقدمة إليها يكفي في الحكم بالفساد إذ لا يعقل الأمر بشيء مع الأمر بما ليس للمكلف بدّ من تركه لو أريد الامتثال به وعند عدم الأمر لا معنى للصحة إذ الكلام في العبادات وأما المعاملات فيبنى على أن النهي التبعي هل يستلزم فسادا وستعرف تحقيق القول في ذلك واللَّه الهادي هداية في بيان الأصل في المسألة والأقوال فيها فنقول قد عرفت أن النزاع أنما هو في حكم العقل بالملازمة بين وجوب شيء وبين وجوب مقدماته وأنّ وجوب المقدمة لا يستلزم عقابا ولا ثوابا فلا وجه لما يظهر من البعض من التمسك بأصالة البراءة في رفع الوجوب لأن جريانها أنما هو فيما يحتمل العقاب والمفروض عدمه في المقام وأما أصالة العدم فيمكن تقريرها بوجه كأن يقال لا شك في أنه قبل حدوث الطلب المتعلق بالفعل لم يكن مقدماته مطلوبة ولو على الوجه المتنازع فيه وبعد تعلقه به نشك في تعلقه بها أيضا الأصل يقضي بعدم تعلقه بها فالأصل مع النافين كذا أفيد قلت ولعله في غير محله فإن الأصل هذا على تقدير جريانه إنما هو في غير ما عنون به المبحث إذ من المعلوم أنه لا حاجة في تشخيص الأصل فيها إلى حدوث الطلب وتعلقه بالفعل فكيف بمقدماته ومن هنا تعرف أن لا أصل في المسألة فإن العقل إما أن يكون حاكما بالملازمة بين الطلبين أو لا وعلى التقديرين لا وجه للاستناد إلى الأصل لارتفاع الشك على التقديرين كما لا يخفى وأما الأقوال في المسألة فعلى ما استقصاه بعض الأساطين أربعة أحدها كما هو المنسوب إلى الأكثر هو الوجوب مطلقا وقد نقل الآمدي الإجماع عليه كما حكى عنه وناقش فيه المحقق الخوانساري بأن الموجود من عبارة أحكامه دعوى اتفاق أصحابه والمعتزلة عليه ونسب الخلاف إلى بعض الأصولية وثانيها النفي مطلقا وقد نسبه الآمدي كما تقدم إلى البعض إلا أن المحقق المذكور نفاه والظاهر من عبارة المنهاج وجود القائل به ويحتمله عبارة المختصر على ما حكي عنهما وثالثها التفصيل بين السبب وغيره فقالوا بالوجوب في الأول وبعدمه في الثاني وقد نسبه البعض إلى الواقفية واختاره صاحب المعالم وقد نسبه العلامة إلى السيد وعبارته على ما نقلناها عن الذريعة مما لا تأباه وبحسب الأنظار البادية إلا أن مساق كلامه فيما بعده على ما يظهر للمتأمل يأباه كما تفطن له صاحب المعالم وقد اعترضه الكاظمي في شرح الوافية والمحصول وفيما ذكرنا سابقا غنية عن إطالة الكلام في المقام ورابعها التفصيل بين الشرط الشرعي وغيره وهو المنقول عن الحاجبي وتبعه العضدي في ذلك واللَّه الهادي هداية في ذكر حجج القائلين بالإثبات فنقول حجة القول بالوجوب وجوه أحدها وهو أسدّها وأقومها ما احتج به الأستاذ دام بقاؤه من شهادة الوجدان السليم والطبع المستقيم بذلك فإن من راجع وجدانه وأنصف من نفسه مع خلو طبيعته عن الاعوجاج الفطري وبراءة قريحته عن اللجاج الطبيعي يحكم حكما على وجه الجزم واليقين بثبوت الملازمة بين الطلب المتعلق بالفعل وبين الطلب المتعلق بمقدماته على الوجه الذي أشرنا إليه في تحرير محل الكلام ونزيدك توضيحا في المقام بأن المدعى ليس تعلق طلب فعلي بالمقدمة على وجه تعلقه بذيها كيف والضرورة قضت ببطلانه لجواز الغفلة عن المقدمات بل واعتقاد عدم التوقف بينهما بل المقصود أن المريد للشيء لو راجع وجدانه يجد من نفسه حالة إجمالية طلبية متعلقة بمقدماته على وجه لو حاول كشف تلك الحالة وتفصيلها لكان ذلك في قالب الأمر والطلب التفصيلي كما يرى مثل ذلك من محبوبية إنقاذ الولد وإن لم يكن عالما به بل وبالنسبة أيضا فمجرد الذهول عن الشيء لا يقضى بسلب جميع أنحاء الوجود عن الشيء وكم من أمور مركوزة في الخاطر مع انتفاء الالتفات إليه حتى أن تلك الحالة حالة يمكن النزاع في كونها من سنخ الطلب أولا على ما نبهنا عليه سابقا مع أن ثمرة الكلام في أوامره تعالى ومن المعلوم انتفاء الاحتمال في حقه تعالى وإن كان عنوان البحث يعمه وغيره أيضا كما في سائر المباحث الأصولية فما يمكن أن يكون ربطا بين المقدمة وذيها من حيث الطلب هو ما ذكرناه وإن اختلفت شؤونه وأطواره في الإجمال والتفصيل فتارة يتقمص قميص الوجود الأصلي التفصيلي ويظهر في مظاهر الطلب والأمر من الأمور التي يكشف عنه وأخرى يتجلى بكسوة الوجود التبعي الإجمالي وهو في هذه الحالة مما لا يعقل أن يكون له عبارة مستقلة ولعل ما ذكرنا هو مراد من ادعى الضرورة في ذلك كما نقل عن المحقق الدواني وإلا فالظاهر أن ليس المراد بها ضرورة الدين على نحو ما يدعى في أمثال المقام ومع ذلك فلعل الحكم بالوجوب ليس بهذه المكانة من الظهور كما نبهنا عليه فيما تقدم ولا أقول إن الحكم بثبوت الملازمة يحتاج إلى وسط في التصديق كيف وقد قلنا بشهادة الوجدان بذلك ومن المعلوم أن الوجدانيات من القضايا الضرورية بل المقصود أن الحكم بذلك ليس على وجه يعدّ منكرة مكابرا لاحتمال تطرق الشبهة فيه كثيرا بخلاف غيره ضرورة اختلاف مراتب المعلومات شدة وضعفا وإن كانت من الوجدانيات وهذا هو المراد مما قرع سمعك فيما تقدم أن الحكم المذكور من الأحكام النظرية فتدبر الثاني اتفاق وجميع أرباب العقول على ذلك على وجه يكشف عن ثبوت المتفق عليه بحسب الواقع ولعل ذلك مراد من ادعى الإجماع على ذلك نظير ما قد ادعاه بعض أساطين المعقول من إجماع أرباب الملل على حدوث العالم بالحدوث الزماني وكونه مسبوقا بالعدم الواقعي ومنه يظهر فساد ما ربما يتخيل من أن الإجماع في المسألة الأصولية غير ثابت الحجية إذ بعد الغض عن أن الإجماع في محله حقيقة لا وجه للمنع عن حجيته وإن كانت مسألة أصولية يرد عليه أن ذلك أنما يتجه إذا كان المراد هو الإجماع المصطلح وأما على الوجه الذي قررناه فلا مساق للكلام المذكور بوجه الثالث ما احتج به جماعة أولهم على ما هو المنسوب إليه أبو الحسين البصري وتبعه في ذلك من تأخر عنه وهو أن المقدمة لو لم تكن